صفقة إسرائيل واليونان.. رسالة صادمة لأردوغان؟

في توقيت يتزامن مع تصاعد التوتر بين أثينا وأنقرة، تستعد إسرائيل واليونان لتوقيع واحدة من أكبر صفقات الدفاع في تاريخ الصناعات العسكرية الإسرائيلية، بقيمة تقارب 3.6 مليارات دولار، تشمل تزويد اليونان بثلاث منظومات دفاع جوي، في خطوة تتجاوز بعدها التجاري إلى أبعاد أمنية واستراتيجية في شرق المتوسط.
صفقة دفاعية ضخمة
وبحسب تقرير للصحافي دين شموئيل إلماس في صحيفة “غلوبس”، من المقرر أن يوقّع المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية، اللواء في الاحتياط أمير برعام، اليوم الإثنين في تل أبيب، اتفاقاً مع اليونان لتزويدها بثلاث منظومات دفاع جوي مقابل نحو 3.1 مليارات يورو، أي ما يقارب 3.6 مليارات دولار.
وتُعد الصفقة من الأكبر في تاريخ الصناعات العسكرية الإسرائيلية. وللمقارنة، بلغت قيمة صفقة منظومة “حيتس 3” مع ألمانيا، التي شملت منظومة واحدة، نحو 3.5 مليارات دولار، من دون احتساب صفقة متابعة بقيمة 3.1 مليارات دولار كشفت عنها “غلوبس”.
وتشمل الصفقة المرتقبة منظومتي “مقلاع داود” و”سبايدر” من إنتاج شركة “رافائيل”، إضافة إلى منظومة “باراك إم إكس” من إنتاج الصناعات الجوية الإسرائيلية، على أن يبدأ التسليم خلال 35 شهراً.
كما تتضمن الاتفاقية مشاركة شركات يونانية في أعمال تبلغ قيمتها نحو 700 مليون يورو، أي ما يعادل 22.5% من القيمة الإجمالية للصفقة.
التوتر مع تركيا
ويرتبط توقيت الاتفاق، وفق التقرير، بالتوتر المتصاعد بين اليونان وتركيا، في ظل خلافات مزمنة بين البلدين حول الحدود البحرية والمجال الجوي والجزر في بحر إيجه.
وفي أحدث مظاهر التوتر، أقلعت مقاتلتان يونانيتان من طراز “إف-16” الجمعة الماضي لإبعاد طائرة مسيّرة تركية كانت تنشط في منطقة جزيرتي ساموثراكي وليمنوس.
وتقع الجزيرتان في بحر إيجه بالقرب من السواحل التركية، وتُعدان من المناطق التي تشهد خلافات مستمرة بين أنقرة وأثينا، خصوصاً بعد إصدار تركيا قبل نحو أسبوعين مرسوماً رئاسياً لإنشاء ما وصفته بـ”متنزهات بحرية وطنية” في المنطقة.
وترى اليونان أن الخطوة التركية قد تؤدي إلى فرض وقائع جديدة في ظل الخلافات القائمة حول الحدود البحرية.
وفي المقابل، أعلنت أثينا خططاً لإنشاء قاعدة جديدة للطائرات المسيّرة في جزيرة رودوس، ما أثار اعتراضاً من أنقرة.
وقالت وزارة الدفاع التركية إن إنشاء قاعدة للمسيّرات في جزيرة قريبة من تركيا “ستنتهك الوضع المنزوع السلاح للجزيرة”، معتبرة أن الخطوة قد تؤثر في الاستقرار والعلاقات بين البلدين.
أردوغان وإسرائيل
وبالتزامن مع التوتر التركي ـ اليوناني، تصاعدت حدة الخطاب بين أنقرة وتل أبيب.
وأثارت خطبة جمعة موحدة وزعتها رئاسة الشؤون الدينية التركية على المساجد تفاعلاً واسعاً، بعد تضمّنها عبارات فسّرها البعض باعتبارها مرتبطة بالصراع مع إسرائيل.
وفي السياق نفسه، شن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هجوماً حاداً على إسرائيل، متهماً ما وصفه بـ”الصهيونية” باستهداف الاستقرار الإقليمي وكل من يدافع عن السلام والقيم الإنسانية.
وردت وزارة الخارجية الإسرائيلية على أردوغان، متهمة إياه بالتحريض ضد إسرائيل، كما وجهت انتقادات إلى سياساته الداخلية والإقليمية.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه العلاقات بين تركيا وإسرائيل توتراً متزايداً، بالتوازي مع تعزيز التعاون الدفاعي بين إسرائيل واليونان.
تحالف أوسع في شرق المتوسط
ولا تبدو الصفقة منفصلة عن تصور إسرائيلي أوسع لتعزيز الشراكات الدفاعية في المنطقة.
وكان أمير برعام قد تحدث خلال مؤتمر هرتسليا قبل نحو شهرين عن وجود “تطابق في المصالح” يمكن أن يقود إلى تحالف أوسع يمتد من الهند مروراً بالإمارات وصولاً إلى اليونان وقبرص.
وتعمل إسرائيل، وفق التقرير، على تعزيز علاقاتها مع دول ترى فيها شركاء محتملين على أساس المصالح الأمنية والجيوسياسية المشتركة.
وفي هذا الإطار، تحتل اليونان موقعاً مهماً في الاستراتيجية الإسرائيلية، إذ تُنظر إليها باعتبارها نقطة اتصال استراتيجية مع أوروبا، إلى جانب التعاون المتنامي مع قبرص.
لماذا تهم الصفقة أوروبا؟
قد تحمل الصفقة اليونانية أبعاداً تتجاوز العلاقة الثنائية، إذ يمكن أن تشجع دولاً أوروبية أخرى على التوجه إلى إسرائيل للحصول على منظومات دفاعية متقدمة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه دول أوروبية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وتقليص اعتمادها على الولايات المتحدة، بالتزامن مع توجه واشنطن إلى زيادة الإنتاج الدفاعي داخل الأراضي الأميركية.
وبحسب التقرير، فإن نموذج التعاون بين إسرائيل ودول أوروبية، باستثناء تركيا، قد يشجع أعضاء آخرين في حلف شمال الأطلسي على دراسة شراء منظومات إسرائيلية مماثلة.
كما وسعت إسرائيل تعاونها الدفاعي مع دول أوروبية أخرى، من بينها فنلندا، التي تشترك في حدود مع روسيا.
شبكة دفاعية مشتركة
ولا تقتصر أهمية الشراكة مع اليونان على بيع الأسلحة، إذ ترى إسرائيل إمكانية تطوير التعاون الدفاعي ليشمل منظومات أكثر تكاملاً.
وقد يقود التعاون بين إسرائيل واليونان وقبرص، خصوصاً في مجال الدفاع الجوي، إلى إنشاء شبكة مشتركة من أجهزة الاستشعار والرادارات ومراكز القيادة والسيطرة، بما يعزز القدرة على رصد ومتابعة النشاط الجوي في المنطقة.
وبذلك، تبدو صفقة الـ3.6 مليارات دولار أبعد من مجرد عقد تسلح ضخم؛ فهي تأتي في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات: تصاعد التوتر بين تركيا واليونان، تدهور العلاقات بين أنقرة وتل أبيب، وسعي إسرائيل إلى توسيع شراكاتها الدفاعية مع دول أوروبية.
ومع استمرار هذه التحولات، قد تصبح الصفقة اليونانية إحدى حلقات إعادة تشكيل المشهد الأمني في شرق المتوسط، في وقت تتزايد فيه أهمية الدفاع الجوي والشراكات العسكرية العابرة للحدود.




